مقدمة
إن المدينة أو الحاضرة تعبير من المألوف استخدامه في لغة علم الاجتماع عموما وعلم الإجرام خصوصا، لكن اختلفت الآراء وتشعبت حول اعتماد مقياس معين لتحديد مفهومها .
فهناك من اعتمد على الأرقام الحسابية لعدد سكان التجمع الإنساني في بقعة معينة وغيرها مقياسا للحكم على هذا المجتمع بأنه مدينة.
البعض استند إلى القيمة التاريخية للموقع بأنه مدينة، والبعض الآخر استند إلى الصفات التي تتميز بها هذه الأخيرة....
ولعل أقرب تعريف إلى الصواب هو للأستاذ الدكتور مصطفى الخشاب الذي يعرفها على أنها عبارة عن "وحدة اجتماعية تمتاز بوحدتها الإدارية، ويعيش فيها الأفراد متكتلين متزاحمين في مساحة معينة من أجل تبادل المنافع وتحقيق الغاية من التجمع الإنساني، والنشاط يعتمد فيها بالأساس على الصناعة والتجارة وتمتاز بسهولة المواصلات وارتقاء مستويات المعيشة ، وتفنن الأفراد في أساليب الحضارة واتساع دائرة تقسيم العمل وزيادة التخصص وارتفاع نسبة الكثافة السكانية وقيام الهيئات والمؤسسات والجماعات والإدارات والمصالح الحكومية ، كما يطبعها التدرج الطبقي وتعدد المراكز الاجتماعية."
وتحديد مفهوم المدينة من طرف علماء الاجتماع وعلماء الإجرام لم يكن ليحظى باهتمام بمنآي عن معرفة علاقتها بظاهرة الإجرام.
إذا اعتبرت إحدى المواضيع الهامة المشتقة من علم الاجتماع وعلم الإجرام منذ نهاية القرن التاسع عشر خاصة مع ظهور نظرية أنريكو فيري الذي أبرز ما لعامل البيئة من أهمية في خلق الجريمة وانتهى إلى أنها خلاصة تفاعل للعوامل الطبيعية والجغرافية والاجتماعية والأنتروبولوجية. ولازالت موضع اهتمام من طرف الباحثين ، فبروز شكل جديد للمجتمع المرتبط تماما بالتصنيع وبصفة عامة بالتقدم الغني قد اقترن بزيادة في معدلات الاجرام.
وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن ظاهرة الاجرام في المدينة تتميز بعدة عوامل وخصوصيات محيطة بها خاصة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمهنية بل وأيضا القيم الخلقية وما يتصل بها من تقاليد والتي تؤثر على السلوك الاجرامي ، فتعمل بلا شك على الرفع من معدلات الجريمة سواء من حيث الكم أو الكيف وهو ما أكدته غالبية الاحصائيات عموما.
إذن كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها الموضوع حول علاقة الاجرام بالمدينة؟ وما هي الخصوصيات التي يتميز بها الوسط الحضري؟ وهل لهذه الخصوصيات دور في التأثير على السلوك الاجرامي؟
لذلك ارتأينا أن نتناول الموضوع من خلال التصميم الآتي:
المبحث الأول: خصوصيات الوسط الحضري
المبحث الثاني:
المبحث الأول: خصوصيات الوسط الحضري.
المطلب الأول: الخصائص الطبيعية والاقتصادية للوسط الحضري.
أولا: الخصائص الطبيعية
أهم الخصائص التي تميز الوسط الحضري من الناحية الطبيعية.
à فالمدينة ترادف المجتمعات الكبيرة الحجم الوفيرة العدد، فهي وحدة عمرانية كبيرة، تتميز بالارتفاع المهول للكثافة السكانية التي قد ترجع إلى تدفق المهاجرين إليها من القرية.
à هذه الكثافة ترتبط ايجابيا بالحضرية ترتفع نسبها بارتفاع عدد السكان في مدينة معينة.
à تنتج عن هذه الخاصيتين ظروف بالغة السوء في المراكز الحضرية عبر عنها لويس مهرد ب "صراع الفردوس وصراع الجحيم "
كما ومنها بولدير بمواطن القبح والبؤس والضوضاء والقرف وخصائصها الدائمة عنده هي الوحل الذي يغمر كل أشكالها والضباب الذي يمحو كل شيء ملامحها.
à هذا فيما يخص حجم المجتمع وكثافة السكان، أما ما يتعلق بالبيئة الطبيعية فالملاحظ هو ابتعاد سكان المدن عن هذه الطبيعة حيث أن أصل أصلة لهم وأكثر أكثرها تأثيرا عليهم من خلال المخترعات العلمية والتكنولوجية والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالخاصية الاقتصادية للوسط الحضري.
ثانيا: الخصائص الاقتصادية.
في الوسط الحضري يعتبر النمط الصناعي هو طابع الحياة الاقتصادية داخلها حيث تسود المهن الصناعية والتجارة وعمليات التبادل التجاري والوظائف الإدارية والتي تشكل مجال عمل الغالبية العظمى من سكان المدن.
فهؤلاء يعتمدون بشكل أساسي على التطور التكنولوجي وما يرتبط به من تقدم معلوماتي ورقمي.
انطلاقا مما سبق فالقيم المادية والمعايير الاقتصادية التي تنتشر في المدن الصناعية الكبرى تولد في بعض الأحيان صراعا ماديا عنيفا بين الطبقات، في مقابل الشعب إلى طبقة الرأسماليين والأغنياء وأصحاب الثروات الطائلة في مقابل طبقة الكادحين والفقراء والمعوزين الذين يتجمعون بشكل أساسي في الأحياء الهامشية ويتجرعون مرارة الفقر والحرمان.
كما أن طبيعة مكونات النظام الاقتصادي السائد في المجتمع الحضري تؤثر بشكل كبير في مدى الإصابة بأزمات اقتصادية ينتج عنها تحقيق فائض وفشل كثير من المشروعات وهو ما يؤدي إلى إفلاس عدد كبير من أصحاب رؤوس الأموال وإلى تفشي البطالة بين صفوف العمال، الأمر الذي يصبح معه الفرد عاجزا عن إشباع حاجاته وحاجات أسرته بالطرق المشروعة فيترتب على ذلك الشعور بالقلق والتوتر والحقد على المجتمع.
التقلبات الاقتصادية التي تعرفها مدن تساهم إما في انخفاض الدخل الفردي وإما في ارتفاعه، فتختلف تأثيراته باختلاف الحالتين.
وبهذا يتضح لنا أن المجال الاقتصادي للمدن يتميز بالحركية والتغير الدائمين وبانعدام الأمان، الأمر الذي ينتج عنه تفاوت طبقي كبي بين السكان وإلى اختلاف الامكانيات المادية للأفراد، تتمظهر على مستوى الأحياء الراقية من جهة وأحياء الهامشية من جهة أخرى، بالاضافة إلى انتشار البطاقة باختلاف أنواعها، خاصة في صفوف الشباب، الأمر الذي يترتب عنه مشاكل اجتماعية عديدة تبرز في مجملها الخصوصية الثقافية والاجتماعية للوسط الحضري.
المبحث الثاني:
تدل الاحصائيات على أن نسبة المرتكبة في المدن هي في تزايد مستمر نظرا لتأثرها بمجموعة من الخصوصيات التي سبق ذكرها في المبحث الأول، هاته النسب المرتفعة للجرائم داخل المدن يمكن استجلاءها كما ونوعا، وبهذا سوف نتطرق في مطلب أول إلى جرائم المدن من حيث الكم لنعالج في مطلب ثاني أنواع هاته الجرائم جرائم المدن من حيث النوع.
المطلب الأول:من حيث الكم.
من خلال مجموعة من الإحصائيات والدراسات اتضح بشكل جلي ارتفاع نسب الاجرام داخل المدن بوتيرة سريعة، وهذا ما تؤكده مجموعة من الاحصائيات كالتي صدرت ما بين 1920 و 1950، حيث أكدت هاته الاحصائيات أن معدلات الاجرام ترتفع داخل المدينة بسبب اجرام ذوي المهن الحرة والموظفين والمستخدمين ، وفسرت هاته الاحصائيات هذا الارتفاع إلأى عامل السن ولو جزئيا .
وبينت الاحصائيات الايطالية كذلك أن الاجرام أوفر كمية في المراكز الصناعية وبالتالي فمعظم دول العالم تعرف ارتفاعا كبيرا في معدلات الاجرام في المدن ، وفي هذا الصدد توصلت بعض الأبحاث إلى صلاحية أن نسبة الاجرام ترتفع مع ازدياد العمران ، فالمناطق التي عرفت تطورا صناعيا ونموا عمرانيا سريعا هي بالذات التي يكثر فيها الاجرام.
ففي الدار البيضاء مثلا حيث تتمركز النشاطات الصناعية والاقتصادية ، حيث تزداد معدلات الجريمة بشكل ملحوظ ونفس الشيء ويمكن قوله عن المدن العربية والغربية التي عرفت هي الأخرى نفس النمو العمراني ونفس التعزير الصناعي والتجاري.
هذا الارتفاع المهول للجرائم داخل المدينة يعزى إلى الخصوصيات المميزة لها والتي تم التطرق في المبحث الأول كالنمو العمراني السريع الذي غالبا ترافقه تغيرات اجتماعية وإلى الاكتظاظ السكاني الذي تعرفه هذه المدن ، وذلك نتيجة حدوث هجرة هائلة من القرى إليها.
هذا بالإضافة إلى انتشار علاقات عابرة وغير وثيقة بين الأشخاص بعيدة عن تلك الروابط الشخصية والعائلية، كما هي متوافرة في البادية على سبيل المثال.
كمن هنا يتضح لنا هذا الارتفاع الكمي للجرائم داخل المدن والذي سوف نجسده ببعض الإحصائيات داخلها من حيث النوع.
المطلب الثاني: من حيث النوع.
مما لا شك فيه أن للجرائم داخل المدن خصوصياتها أو طبيعتها الخاصة سواء من حيث طبيعة الجرائم أو نوعية المجرمين، وقد أثبتت الأبحاث العلمية التي تناولت هذا المةوضوع بالدراسة أن الوسط الطبيعي يؤثر بصفة واضحة على حركة الاجرام من الناحية الكيفية في المجتمعات الحضرية.
فمن حيث طبيعة الاجرام يلاحظ أن نوعية الجرائم التي تكثر في الوسط الحضري تتعلق على الخصوص بالجرائم الواقعة على الأموال والأشخاص ، وحسب لومبروزو فإن الاجرام في المدينة يتميز بالحيلة والخيانة، وذلك راجع إلى أن أساليب المدينة هذبت من طباع أهل الحضر ولذلك فإنهم يجنحون إلى حل مشاكلهم إلى اللين والدهاء والمراوغة.
كما أن تمركز النشاط الاقتصادي والتجاري في المدن يساهم إلى حد كبير في ارتفاع جرائم الاعتداء على الأموال، كجرائم السطو على البنوك والمؤسسات الصناعية، وجرائم خيانة الأمانة والغش والتدليس في المعاملات وتزوير المستندات والرشوة واختلاس المال العمومي وتلويث البيئة.
لكن والملاحظ أن الجرائم التي تعتمد على العنف هي آخذة في الارتفاع كجرائم الاغتصاب والدعارة نوذلك راجع إلى تدفق الهجرة القروية نحو المدينة.
كما تحتكر الجريمة أنواعا من الجرائم كالمخالفات المتعلقة بالتنظيم السكني، أو بالوحدات الانتاجية كذلك جرائم العنف ضد الموظفين.
أما فيما يخص نوعية المجرمين، فيلاحظ الباحثون أن نسبة اجرام النساء تزداد بشكل ملحوظ في الوسط الحضري ويفسرون ذلك بتزايد هجرة النساء القرويات إلى المدن للبحث عن العمل وذلك بحكم تقلص فرص الشغل وعدم توفرهن على تكوين مهني يؤهلهن لممارسة بعض الأعمال، فيضطرون في حالات كثيرة إلى سلوك طريق الجريمة من أجل ضمان عيشهن كممارسة البغاء والتسول.
كما يلاحظ كذلك بالاعتماد عن التقارير الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة لسنة 1975 أن مساهمة المرأة في الاجرام تعرف نموا مضطردا في العالم المعاصر وذلك بفعل تزايد نسبة مساهمتها في الحياة العامة.
فهناك ظاهرة أخرى تتميز بها المدن وهي انتشار جرائم الأحداث وترجع حدة هذه الظاهرة في المدن إلى ضعف الرقابة على الأحداث للانشغال المسؤولين عنهم في أعمالهم، فضلا عن عدم وجود سبل ميسرة لتمضية أوقات فراغهم ، الأمر الذي يجعلهم فريسة سهلة للوقوع في أيدي من يستغلونهم لتحقيق مآربهم الإجرامية، بالإضافة إلى ذلك يلاحظ في المدن ارتفاع مهول لأطفال الشوارع.ونظرا للتطور الحاصل في مجال المعلوميات ظهرت جرائم خطيرة متعلقة بذلك وسميت بالجرائم المعلوماتية، التي صارت تهدد كيان المجتمع، وهاته الجرائم نتج عنها جرائم الانترنت، هذا الأمر أدى بالمغرب إلى المصادقة على مجموعة من الاتفاقيات العربية لمحاربته.
خاتمة
إن ما يمكن استنتاجه من المعطيات التي أوردناها في بحثنا هذا هي أن مشكلة الإجرام هي ظاهرة اجتماعية إنسانية لا تخلو منها أي مجتمع إنساني مهما بلغ من تقدم في درب الحضارة والمدينة.
فالإجرام متفشي في المجتمعات الحضرية بشكل قوي ، ولعل السبب في ذلك هو انعدام الجانب الأخلاقي والاجتماعي بصفة عامة بحيث بحيث طغت الماديات واستعصى استدراك الخلاقيات ، وزيادة على التطور الذي عرفته المدن نتيجة التقدم التكنولوجي والصناعي ، حيث أصبحت الجريمة فيها تتخذ أساليب أكثر تنظيما وذكاء.
وبالتالي فالمدينة –الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان- لها علاقة وثيقة بظاهرة الاجرام، إذ أن له تأثير قوي على سلوك الأفراد.
وإن ما يمكن أن تركز عليه هو كيف يمكن أن نحافظ على هذه العلاقة الاجتماعية التي تحيط بالانسان ويجعله أقل تعرضا إلى مسلك الاجرام؟.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق